الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
226
نفحات القرآن
هذا من الأمور الغريبة لأنّ جوهر الروح يختلف كثيراً عمّا أنسناه من عالم المادّة ، ولاعجب في إخفاقنا في الاطلاع على أسرار وكنه هذا المخلوق العجيب الذي لا يخضع لقوانين المادّة . ولكن هذا - على أيّة حال - لايمنعنا من مشاهدة ظل الروح بواسطة منظار العقل الثاقب ولا يمنعنا من التعرف على مجمل القوانين المهيمنة عليها . وأهم ما ينبغي لنا معرفته هنا مسألة أصالة واستقلال الروح ، وعلينا أن نثبت ذلك في مقابل رأي الماديين الذين يرون أنّ الروح أمرٌ ماديّ وأنّها من افرازات خلايا المخ والخلايا العصبية ولا شيء وراء ذلك ! ونحن نتعرض بدورنا لهذا البحث هنا ونمعن النظر فيه ، لأنّ بحث « خلود الروح » و « مسألة التجرد الكامل أو التجرد البرزخي » تعتمد على هذا الأمر . إلّا أنّه قبل الولوج في هذا البحث نرى من الضروري ذكر هذه الملاحظة وهي أن تعلق الروح ببدن الإنسان ليس من قبيل حلول الهواء في المنطاد مثلًا - كما يعتقد البعض - بل هو نوع من الارتباط القائم على أساس هيمنة الروح على البدن في التصرف والتدبير ، وقد شبّه بعضهم هذه الرابطة بالعلاقة الموجودة بين « اللفظ » و « المعنى » وسوف تتضح هذه المسألة بجلاء خلال بحث مسألة استقلال الروح فلنعُد إلى صلب البحث . ممّا لا شك فيه أنّ الإنسان يختلف عن الجمادات كالحجر والخشب ، لأنّنا نشعر في قرارة أنفسنا بأنّنا نختلف عن سائر الموجودات غير الحية ، بل حتى عن النباتات ، فنحن بإمكاننا أن نفهم شيئاً أو نتصور شيئاً أو نريد شيئاً ونمتلك إرادة ونحب ونبغض و . . . ، أمّا بالنسبة للجمادات والنباتات فهي لا تمتلك شيئاً من هذه الأحاسيس ، إذن هناك شيء أساسي نتميز به عن هذه الموجودات ، ذلك الشيء هو ما نسمّيه الروح . لا أحد ينكر أصل وجود « الروح » و « النفس » أبداً ، لا الماديون ولا غيرهم ولهذا فالجميع يعتقد بأنّ علم النفس ( السيكولوجي ) وعلم التحليل النفسي ( البيسكاناليزي ) من العلوم الثابتة ، وهذان العلمان على الرغم من كونهما في مرحلة النشوء وفي المراحل